السلسال
10-16-2003, 07:57 PM
أحد شعراء رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. قال ابن سيرين: شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك، وكان ابن رواحة في عداد السابقين من الأنصار في الإسلام وقد شهد بيعة العقبة وهو أحد النقباء لبني الحارث من الخزرج كما أنه كان أحد أعضاء وفد الأنصار الذين أسلموا وبايعوا الرسول الكريم وشهدوا البيعة المشهورة، وهو كذلك أحد البارزين في هذا الموقف الفاصل في تاريخ الدعوة الإسلامية، وكان المتحدث باسم الوفد فقد قال للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: أشترط لربي أن تعبدوه لا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وأموالكم.. قالوا فمالنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع ولا نُقيل ولا نستقيل. أي لا نتراجع عن هذه الصفقة الرابحة، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك البيعة التي خلدها التاريخ وكانت فتحاً في الإسلام ومنطلقاً لنشر الدعوة وانتشارها، وحين كانوا يبرمون هذا الاتفاق مع المصطفى كانوا يدركون أنهم لا يُبايعون على أمر هين وإنما هم قد بايعوا على واقع صعب، وأنهم مطالبون على الفور بتنفيذ بنود هذه البيعة المباركة، وأن وراء إنفاذها متاعب كثيرة ومصاعب شديدة، ولكنهم حين أقدموا عليها قد حسبوا لكل شيء حسابه وأن قريشاً سوف تحاربهم وتقف لهم بالمرصاد وتتخلَّى عن مسالمتها لهم بل ستحرض القبائل العربية للوقوف ضدهم، ولكنهم قد وضعوا كل هذه الاعتبارات في أذهانهم وتصوروها في واقعهم، واستحضروا كل ما قد تُودي إليه من قتال وما تجره من مشكلات وما تخلفه من تحديات، فوطّنوا أنفسهم على خوض غمار مواجهات جديدة مع قريش وتأليبها عليهم وكثير من القبائل العربية، وجيرانهم اليهود الذي عُرف عنهم الغدر واشتهروا به، وإذا كان كل ذلك حاضراً في أذهانهم وهم يمدون أيديهم بالبيعة المباركة فإنهم على ثقة تامة من صدق هذا الرسول الذي يبايعونه {يد الله فوق أيديهم} وأن ربه العظيم سينصره، ولعلّ الله أكرمهم بأن جعل منهم وسيلة هذا النصر، وقد وفوا بما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا مؤهلين بحق لأن يُسموا بالأنصار.
* * *
وإذا كان للصحبة النبوية جناحان تحلقان بها في سماء الإيمان التام وبلوغ المجد الإسلامي، فإن المهاجرين يمثلون أحد الجناحين، والأنصار يمثلون الجناح الآخر، وإذا كانت مواقف السابقين الأولين من المهاجرين حققت لهم مكانة السبق الأولى في الإيمان بنبي الهدى، فإن لهؤلاء الأنصار - الذين آمنوا واتبعوا النور الذي أنزل معه - دورهم ومكانتهم، فهم الذين آووه ونصروه وضحوا بأرواحهم وأموالهم وكل ما يملكونه في سبيل حمايته ونُصرته، فقد آمنوا به عن يقين وتابعوه بمحبة وإيمان لا ريب فيه، فكانت لهم مثل ما لأخوانهم المهاجرين المكانة المقربة منه عليه الصلاة والسلام، فهم الذين فتحوا قلوبهم لدعوته وبلادهم له ولصحبه الكرام الذين توافدوا إلى المدينة مع هجرته إليها، فكان التآخي الذي أجراه صلى الله عليه وسلم بين كل مهاجر وأنصاري يمثل في ذاته قمة الأخوة الإيمانية بصورة أقوى وأمتن من صلة النسب: تلك الأخوة التي غرسها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد بلغت الأخوة بين المهاجرين والأنصار مرتبة لم تبلغها أخوة في سواهم من البشر حتى ظنوا - لمبلغ إيمانهم بها - أنها قد تؤدي إلى التوارث بينهم، وهذا التصور يؤكد مدى التزامهم بما يوجههم نحوه رسولهم الكريم.* * *
ولقد قام الأنصار بأشرف لقاء للرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه المهاجرين. إيماناً بربهم وحباً لنبيهم، وكان من آثار ذلك أنهم آثروا المهاجرين على أنفسهم. حتى ارتقى هذا الإيثار إلى مدى لم تدركه الإنسانية في تاريخها الطويل منذ فجر التاريخ حتى الآن، وقد تمثل هذا الإيثار في أن يُقاسم الأنصاري أخاه المهاجر ماله كله، فيعطي النصف الأفضل لأخيه ويستبقي لنفسه وأهله النصف المفضول. بل لقد تمادى هذا الإيثار إلى حد تعجز البشرية على امتدادها أن تبلغ مداه أو تصل إلى مستواه، كما يتمثل ذلك بتنازل مَنء عنده أكثر من زوجة لأخيه عن إحدى زوجاته بل وأن يختار التي يراها أنسب له، وهو يرى في هذا العمل واجباً إسلامياً تمليه عليه الطاعة لله ولرسوله وهو عمل في نظره واجب الأداء يؤمن به ويلتزم بتنفيذه.* * *
هذه الروح لم تكن معهودة من قبل في حياة الصحابة عامة ولا في سلوك الأنصار خاصة قبل البعثة النبوية، والأنصار كما هو معلوم: تمثلهم قبيلتا الأوس والخزرج، وكانت تحتدم بين أفراد القبيلتين منازعات وخصومات وخلافات كثيراً ما تدفع إلى المصادمات المسلحة بين الجانبين، وما أن هداهم الله للإسلام وحلّ المصطفى في ربوعهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخواناً. تجاوزوا خلافاتهم ودفنوا مشاحناتهم وعاشوا إخوة متحابين يؤثر بعضهم بعضاً، ويسعى بذمتهم أدناهم في مجتمع يسوده السلام النفسي والإيمان الكامل.. لقد صنعهم الإسلام في هذا القالب الجديد الرائع، وصاغهم نبيهم الأكرم بتربيته الرائعة هذه الصياغة الراشدة، فكانوا بحق علامات مضيئة في تاريخ الإسلام وكواكب منيرة يُهتدى بها في حياة المسلمين. نضَّر الله وجوههم وجمعنا بهم في مستقر رحمته بفضله وكرمه وهو أكرم الأكرمين.* * *
وعبدالله بن رواحة رضي الله عنه واحد من هؤلاء الأصحاب الأبرار، وقد كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ومقرباً لديه، وقال عنه: نعم الرجل عبدالله بن رواحة. كما قال عنه أيضاً: رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس تتباهى بها الملائكة، وقد شهد غزوة بدر التي فصل الله بها بين الحق والباطل ونصر فيها الفئة القليلة المسلمة على الفئة الكثيرة المشركة، وهو الذي حمل بشارة النصر في هذه الغزوة إلى المدينة.. ومن فضائله حرصه الشديد على التقيد بأوامر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يلتزم بها روحاً ونصاً يؤيد ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فدخل عبدالله بن رواحة فسمعه يقول: اجلسوا فجلس مكانه وكان خارجاً عن المسجد، فلما فرغ قال له: زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله.
وكان هذا الصحابي الجليل عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وقد لازم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجنّد نفسه للدعوة إلى الإسلام، وكان السبب في إسلام أبي الدرداء رضي الله عنهما فقد دخل بيت أبي الدرداء فحطم الصنم الذي كان يتوجه إليه فلما عاد أبو الدرداء إلى بيته وجد امرأته تبكي إشفاقاً منها على ما فعله ابن رواحة خشية عاقبة غضب زوجها، فلما رأى أبو الدرداء الصنم محطماً راجع نفسه فقال: لو كان عند هذا خير لدفع عن نفسه فأسلم وتبوأ مقعده بين الصحابة الكرام، وقد حفظ لأخيه ابن رواحة هذا الموقف الرائع فكان بعد استشهاده يذكره ويدعو له ويُرجع الفضل بعد الله له في اهتدائه إلى الإسلام، وقد روى أبو الدرداء قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الشديد الحر. حتى إن الرجل ليضع من شدة الحر يده على رأسه وما في القوم صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة
* * *
وإذا كان للصحبة النبوية جناحان تحلقان بها في سماء الإيمان التام وبلوغ المجد الإسلامي، فإن المهاجرين يمثلون أحد الجناحين، والأنصار يمثلون الجناح الآخر، وإذا كانت مواقف السابقين الأولين من المهاجرين حققت لهم مكانة السبق الأولى في الإيمان بنبي الهدى، فإن لهؤلاء الأنصار - الذين آمنوا واتبعوا النور الذي أنزل معه - دورهم ومكانتهم، فهم الذين آووه ونصروه وضحوا بأرواحهم وأموالهم وكل ما يملكونه في سبيل حمايته ونُصرته، فقد آمنوا به عن يقين وتابعوه بمحبة وإيمان لا ريب فيه، فكانت لهم مثل ما لأخوانهم المهاجرين المكانة المقربة منه عليه الصلاة والسلام، فهم الذين فتحوا قلوبهم لدعوته وبلادهم له ولصحبه الكرام الذين توافدوا إلى المدينة مع هجرته إليها، فكان التآخي الذي أجراه صلى الله عليه وسلم بين كل مهاجر وأنصاري يمثل في ذاته قمة الأخوة الإيمانية بصورة أقوى وأمتن من صلة النسب: تلك الأخوة التي غرسها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد بلغت الأخوة بين المهاجرين والأنصار مرتبة لم تبلغها أخوة في سواهم من البشر حتى ظنوا - لمبلغ إيمانهم بها - أنها قد تؤدي إلى التوارث بينهم، وهذا التصور يؤكد مدى التزامهم بما يوجههم نحوه رسولهم الكريم.* * *
ولقد قام الأنصار بأشرف لقاء للرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه المهاجرين. إيماناً بربهم وحباً لنبيهم، وكان من آثار ذلك أنهم آثروا المهاجرين على أنفسهم. حتى ارتقى هذا الإيثار إلى مدى لم تدركه الإنسانية في تاريخها الطويل منذ فجر التاريخ حتى الآن، وقد تمثل هذا الإيثار في أن يُقاسم الأنصاري أخاه المهاجر ماله كله، فيعطي النصف الأفضل لأخيه ويستبقي لنفسه وأهله النصف المفضول. بل لقد تمادى هذا الإيثار إلى حد تعجز البشرية على امتدادها أن تبلغ مداه أو تصل إلى مستواه، كما يتمثل ذلك بتنازل مَنء عنده أكثر من زوجة لأخيه عن إحدى زوجاته بل وأن يختار التي يراها أنسب له، وهو يرى في هذا العمل واجباً إسلامياً تمليه عليه الطاعة لله ولرسوله وهو عمل في نظره واجب الأداء يؤمن به ويلتزم بتنفيذه.* * *
هذه الروح لم تكن معهودة من قبل في حياة الصحابة عامة ولا في سلوك الأنصار خاصة قبل البعثة النبوية، والأنصار كما هو معلوم: تمثلهم قبيلتا الأوس والخزرج، وكانت تحتدم بين أفراد القبيلتين منازعات وخصومات وخلافات كثيراً ما تدفع إلى المصادمات المسلحة بين الجانبين، وما أن هداهم الله للإسلام وحلّ المصطفى في ربوعهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخواناً. تجاوزوا خلافاتهم ودفنوا مشاحناتهم وعاشوا إخوة متحابين يؤثر بعضهم بعضاً، ويسعى بذمتهم أدناهم في مجتمع يسوده السلام النفسي والإيمان الكامل.. لقد صنعهم الإسلام في هذا القالب الجديد الرائع، وصاغهم نبيهم الأكرم بتربيته الرائعة هذه الصياغة الراشدة، فكانوا بحق علامات مضيئة في تاريخ الإسلام وكواكب منيرة يُهتدى بها في حياة المسلمين. نضَّر الله وجوههم وجمعنا بهم في مستقر رحمته بفضله وكرمه وهو أكرم الأكرمين.* * *
وعبدالله بن رواحة رضي الله عنه واحد من هؤلاء الأصحاب الأبرار، وقد كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ومقرباً لديه، وقال عنه: نعم الرجل عبدالله بن رواحة. كما قال عنه أيضاً: رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس تتباهى بها الملائكة، وقد شهد غزوة بدر التي فصل الله بها بين الحق والباطل ونصر فيها الفئة القليلة المسلمة على الفئة الكثيرة المشركة، وهو الذي حمل بشارة النصر في هذه الغزوة إلى المدينة.. ومن فضائله حرصه الشديد على التقيد بأوامر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يلتزم بها روحاً ونصاً يؤيد ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فدخل عبدالله بن رواحة فسمعه يقول: اجلسوا فجلس مكانه وكان خارجاً عن المسجد، فلما فرغ قال له: زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله.
وكان هذا الصحابي الجليل عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وقد لازم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجنّد نفسه للدعوة إلى الإسلام، وكان السبب في إسلام أبي الدرداء رضي الله عنهما فقد دخل بيت أبي الدرداء فحطم الصنم الذي كان يتوجه إليه فلما عاد أبو الدرداء إلى بيته وجد امرأته تبكي إشفاقاً منها على ما فعله ابن رواحة خشية عاقبة غضب زوجها، فلما رأى أبو الدرداء الصنم محطماً راجع نفسه فقال: لو كان عند هذا خير لدفع عن نفسه فأسلم وتبوأ مقعده بين الصحابة الكرام، وقد حفظ لأخيه ابن رواحة هذا الموقف الرائع فكان بعد استشهاده يذكره ويدعو له ويُرجع الفضل بعد الله له في اهتدائه إلى الإسلام، وقد روى أبو الدرداء قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الشديد الحر. حتى إن الرجل ليضع من شدة الحر يده على رأسه وما في القوم صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة