المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصيحة الأوزاعى للمنصور


البرنسيسة وسام
02-23-2007, 10:43 PM
عن الأوزاعى رحمه الله قال‏ :‏ بعث إليّ المنصور وأنا بالساحل
فأتيته ، فلما وصلت إليه وسلمت عليه استجلسنى ، ثم قال ‏:‏ ما الذى أبطأ بك يا أوزاعى‏؟‏ قلت ‏:‏ وما الذى تريد يا أمير المؤمنين‏؟‏ قال‏:‏ أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم ‏. قلت ‏:‏ فانظر يا أمير المؤمنين أن تسمع شيئاً ثم لا تعمل به ، فصاح بى الربيع وأهوى بيده إلى السيف ، فانتهره المنصور وقال ‏:‏ هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة ، فطابت نفسى وانبسطت فى الكلام ، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول عن عطية بن بشر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏:‏ ‏"‏ أيما والٍ مات غاشًّا لرعيته حرم الله عليه الجنة‏"‏ يا أمير المؤمنين ، كنت فى شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم وأسودهم، ومسلمهم وكافرهم ، وكل له عليك نصيب من العدل ، فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام (الفئام ‏:‏ الجماعة الكثيرة من الناس) ،ليس منهم أحد إلا هو يشكو بلية أدخلتها عليه ، أو ظُلامة سُقتها إليه‏.‏ يا أمير المؤمنين ، حدثنى مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى القصاص من نفسه فى خدش خدشه أعرابيًّا لم
يتعمده ، فأتاه جبريل فقال ‏:‏ يا محمد ، إن الله تعالى لم يبعثك
جباراً ولا متكبراً ، فدعا الأعرابى ، فقال‏:‏ ‏"‏ اقتص منى‏"‏ ، فقال الأعرابى‏:‏ قد أحللتك ، بأبي أنت وأمى ، وما كنت لأفعل ذلك
أبداً، ولو أتيت على نفسى ‏.‏ فدعا له بخير ‏.‏ يا أمير المؤمنين ، رض نفسك لنفسك ، وخذ لها الأمان من ربك ،‏ يا أمير المؤمنين إن الملك لو بقى لمن قبلك لم يصل إليك ، وكذلك لا يبقى لك كما
لم يبق لغيرك ‏، يا أمير المؤمنين جاء فى تأويل هذه الآية عن جدك {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } [‏الكهف‏:‏49‏]، قال: الصغيرة‏ التبسم ، والكبيرة الضحك ، فكيف بما عملته الأيدى ، وحصدته الألسن ‏.‏ يا أمير المؤمنين ، بلغنى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ‏:‏ لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة ، لخشيت أن أسأل عنها ، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك‏؟‏ يا أمير المؤمنين ، جاء فى تأويل هذه الآية عن جدك ‏:‏ {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى }[سورة ‏ص‏:‏ 26‏] قال‏:‏ إذا قعد الخصمان بين يديك ، وكان لك فى أحدهما هوى ، فلا تتمنين فى نفسك أن يكون الحق
له فيفلج على صاحبه ، فأمحوك من نبوتى ، ثم لا تكون خليفتى ، يا داود‏ :‏ إنما جعلت رسلى إلى عبادى رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية ، ورفقهم بالسياسة ، ليجبروا الكسير ، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء‏ .‏ يا أمير المؤمنين ، إنك قد بليت بأمر لو عرض على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه‏ .‏ ثم قلت ‏:‏ يا أمير المؤمنين ، قد سأل جدك العباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمارة على مكة والطائف أو اليمن ، فقال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ يا عم، نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها‏"‏ ‏ نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئاً إذا أوحى إليه ‏: {وأنذر عشيرتك الأقربين }‏ [‏الشعراء‏:‏214‏] فقال ‏:‏ يا عباس ، ويا صفية ، ويا فاطمة ، إنى لست أغنى عنكم من الله شيئاً ، لى عملى ولكم عملكم ، وقد قال عمر بن الخطاب ‏:‏ لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل ، لا تأخذه فى الله لومة لائم ، وذكر تمام كلامه للمنصور ، ثم قال‏:‏ فهى نصيحة ، والسلام عليك‏.‏ ثم نهض فقال ‏:‏ إلى أين ‏؟‏ فقال ‏:‏ إلى الوطن بإذن أمير المؤمنين ‏.‏ فقال ‏:‏ أذنت لك ، وشكرت لك نصيحتك ، وقبلتها بقبولها ، والله الموفق للخير ، والمعين عليه ، وبه أستعين ، وعليه أتوكل، وهو حسبى ونعم الوكيل ، فلا تخلنى من مطالعتك إياى بمثلها ، فإنك المقبول القول غير المتهم فى النصيحة‏ .‏ قلت‏:‏ أفعل إن شاء الله ‏.‏ فأمر له بمال يستعين به على خروجه ، فلم يقبله ، وقال‏:‏ أنا فى غنى عنه ، وما كنت لأبيع نصيحتى بعرض الدنيا كلها ، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه فى رده